دكتور عبد العزيز الدوري
27
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
السلمي السري إلى الثورة العلنية ، فعهد إلى أبي مسلم تنظيمها في مرحلتها الأخيرة وقيادة قواتها . وإن نحن دققنا أساليبه نجدها استمرارا لما حصل قبله ، لا جديد فيها ، حتى إنّ انضمام الدهاقين إليه لم يكن نتيجة كفايته الخاصة ، بل نتيجة التنظيم المالي الذي قام به نصر بن سيار في تلك الفترة حين مسح الأراضي ، وفرض الخراج عليها ، بما فيها أراضي الدهاقين ، وقام بإحصاء الناس وفرض الجزية على غير المسلمين بمن فيهم أعوان الدهاقين ، وكان ذلك في خراسان لأول مرة فأضرّ بالدهاقين ماليا وأفقدهم كيانهم الممتاز ، فلم يبق لهم مجال للتعاون مع الأمويين وانضموا إلى الدعوة العباسية . - 4 - وتجابهنا تشويهات الناسخين وتحريفاتهم مما قد يخلق مشكلات ليست باليسيرة . ويكفي أن أذكر هنا مثلين لذلك . جاء في طبعة للمسعودي ، عن المنصور « أنه أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه وصرّفهم في مهماته وقدمهم على العرب . فاتخذت ذلك الخلفاء من بعده - من ولده - سنّة ، فسقطت وبادت العرب ، وزال بأسها وذهبت مراتبها » « 3 » ، بينما يرد القسم الأخير من هذا النصّ في الطبعة الأوروبية : « سقطت قيادات العرب ، وزالت رياستها وذهبت مراتبها » « 4 » . فالنص الأول يبيد العرب ويذكر سقوطها وزوال بأسها ، في حين أنّ النص الثاني يشير إلى ذهاب القيادة والرئاسة منها ، والفرق شاسع بين الاثنين . وجاء في طبعة للمقريزي وصف طريقة الجباية في مصر في صدر الإسلام : « وكانت جبايتهم بالتعديل ، إذا عمرت القرية وكثر أهلها زيد عليهم ، وإن قل أهلها وخربت نقصوا ، فيجتمع عرافوا كل قرية وأمراؤها ورؤساء أهلها فيتناظرون في العمارة والخراب ، حتى إذا أقروا في القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور » « 5 » . فهو يجعل اللجنة المحلية مؤلفة من « عرافي القرية وأمرائها ورؤساء أهلها » . ولو رجعنا إلى الطبعة التي نشرها المعهد العلمي الفرنسي في مصر لوجدنا محل ( عرافو ) كلمة ( غرافسو ) ومحل ( أمراؤها ) كلمة ( مازوتها ) « 6 » . وهاتان الكلمتان
--> ( 3 ) أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، 4 ج ، [ ط 3 مزيدة ومنقحة ] ( القاهرة : مطبعة السعادة ، [ 1958 ] ) ، ج 2 ، ص 204 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ج 2 ، ص 297 . ( 5 ) أبو العباس أحمد بن علي المقريزي ، الخطط المقريزية المسماة بالمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار يختص ذلك بأخبار إقليم مصر والنيل وذكر القاهرة وما يتعلق بها وبإقليمها ، 5 ج ( القاهرة : مكتبة المليجي ، 1906 - 1908 ) ، ج 1 ، ص 123 . ( 6 ) المصدر نفسه ، ج 3 ، القسم 1 ، ص 327 .